من أجل مصر العظيمة أفيقوا .. أحمد الصياد

نشرت مقال في العدد رقم 462/ يوليو 2011 من مجلة الجمارك وعرضت فيه شعوري المتأرجح بين الفرح والخوف وما نعانيه من انفلات أمنى وأخلاقي وإعلامي،  ومع هذا لا زلت أقول للأسف أن الكثير منا أعمته المصلحة الشخصية وأعماه الحقد عن إدراك مصلحة الوطن العليا والكثير من  الناس لم يسأل نفسه ما هو الفرق بين الحق والحقيقة فلم ينكر القول ولكنه لم يعمل به.
وفي هذا المقال أريد أن أكمل الحديث، بل أكمل المسيرة حباً وعشقاً وإخلاصاً لهذا البلد الطيب مصرنا الحبيبة التى كرمها الله عز وجل فى كتابه الكريم فى أكثر من موضع حيث أنفردت لفظة (مصر) من بين بلاد الأرض بمكرمة ذكرها خمس مرات فى خمس آيات من القران الكريم فذكرها عز وجل في الآية 61 من سورة البقرة(اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) ثم في الآية 87 من سورة يونس(وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا...)  ثم الآية 99 من سورة يوسف "وَقَالَ ادْخُلُواْ مِصْرَ إِن شَاء اللّهُ آمِنِينَ" والآية 51 من سورة الزخرف (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ).
ولم يقتصر الأمر علي هذا بل إن مصر كان لها مع عدد من أنبياء الله علاقات وذمم، فنبي الله إبراهيم عليه السلام تزوج من السيدة هاجر وهى مصرية، والمصطفي سيدنا محمد بن عبد الله خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وسلم) تزوج من السيدة ماريا القبطية من مصر، والصديق يوسف بن يعقوب نسل الأنبياء وموسى كليم الله وعيسى المسيح بن مريم والعائلة المقدسة، جميعهم  جاءوا إلى مصر الدافئة الآمنة الطيبة.
وبسطاء الناس يحبون مصر التي بها مراقد أهل بيت رسول الله صلوات ربي وسلامه عليه ومنهم السيدة زينب إبنة الإمام علي بن أبي طالب والسيدة فاطمة الزهراء بنت الرسول (صلى الله عليه وسلم)، والسيدة نفيسة حفيدة علي أبن أبي طالب وكذلك السيدة رقية بنت الحسين بن علي بن أبي طالب من زوجته أم إسحاق، وحفيدة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، والسيدة سكينة والتي إسمها الحقيقي (آمنة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه والتي لٌقبت بإسم سكينة من قِبَل أمها الرباب، رضى الله عنهم جميعاً، فجميعهم اختار الله لهم مصر لتكون لهم مرقداً وجميعهم من آل البيت الشريف. إن هذا البلد الذي قدر له الله سبحانه وتعالي أن يكون له هذا المقام وهذا القدر بين دول العالم أحري بأهله اليوم أن يتمسكوا بأدب الإختلاف الذي أقره الدين الحنيف، فتكون الحمية لله وليس لعصبية أو رأي، فالإختلاف فى الإسلام له آداب وله قواعد فقهية يجب الإطلاع عليها  حتى لا يكون الإختلاف لمجرد الإختلاف أو يكون لغرض أو سبب شخصى ولكن يجب أن يكون بهدف المصلحة العليا للموطن وسيكون معياره[ التقوى، العمل، الإخلاص، الصدق] (فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ). الرعد 17.
يجب ألا يصبح الجدل والخلاف الواضح  بين الفرق والأطياف بالطريقة التي نراها اليوم علي تلك الفضائيات البغيضة التي تثير الفتنة وتؤجج النفوس بالغضب والفرقة فالإختلاف له آداب وأسس من الفضيلة يجب مراعاتها كى لا يتحول إلى أداة للهدم والتدمير، أو يكون عبارة عن حلقات من الكر والفر بين المختلفين فيتتبع كل منهم عورات وأخطاء الآخر وتتبع الزلات وتجاهل الحقائق وتلويث كل شريف، فينقسم الناس إلى فرق وأطياف( الإخوان، السلف،  الوفد ، الفلول ..إلخ)  مما يؤدى إلى فرقة المجتمع ومخالفة أمر الله الذي يقول في كتابه العزيز (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَ) آل عمران 16.
الأصل في الفطرة التي خلق الله عليها الناس هو أن الله لم يفرق بين الناس إلا بالتقوى والعمل الصالح فإذا كنت ممن يتق الله فى دينه وعمله فأنت لله أقرب، وقد يقول قائل إن الإختلاف هو أحد سنن الحياة ومن الفطرة التي فطر الله عليها البشر، ونقول نعم ولكنه يجب أن يبقي فى الفروع ويكون فقط للوصول إلى الحقيقة وليس للتنافرأو التناحر وهو سبيل للوصول للأفضل والأحسن. لقد ساد في السلف الصالح خلافاً في كثير من الآراء والمسائل، ولم ينقل لنا التاريخ أن أحدهم رمى الآخر بالكفر أو الفسق أو وجه له من الألفاظ ما تقشعر من الأبدان كما نري ونسمع علي الكثير من الفضائيات اليوم نراها نحن الكبار ويراها معنا الصغار فيفتقدون القدوة ويتعلمون الفحش من القول عند الخلاف والعياذ بالله. أين نحن من قول الإمام أبو حنيفة "قولنا هذا رأى وهو أفضل ما قدرنا عليه فمن جاءنا بأحسن منه فهو أولى بالصواب".
إن أبسط وأهم ضوابط الإختلاف هو الإخلاص وصدق التوجه في العمل لصالح مصر الغالية وحدها، والدعوة إلى الإصلاح بالحكمة والموعظة الحسنة ولو كان الإختلاف جائزاً فإن التعصب للرأى مرفوض ومكروه.
الإمام الشافعى رحمه الله يضع لنا مبدأ هاماً بقوله "رأينا هذا صواب يحتمل الخطأ ، ورأى غيرنا خطأ يحتمل الصواب" وإذا كنا نهدف للصلاح والإصلاح فلا بد من أن نكون على نهج السلف قولاً وعملاً، لا قولاً فقط وإدعاءاً وأن يكون الحوار فى شتى مجالات الحياة بألا يٌصادر فكر أو ينتقص قول أو يٌسفه توجه أو يٌجبر أحد على فكر أو مذهب ليظل ركب الحياة يسير على هدى من نهج الإسلام الحنيف ذلك الدين القيم الذي ارتضاه لنا الخالق العظيم سبحانه وتعالي.
أشعر بشئ من الآسي وأنا أقول أنه رغم نجاح الثورة وسقوط النظام الفاسد ورموزه إلا أن الأوضاع التى تمر بها البلاد علي غير ما يرام ولا يرضى بها أو عنها إلا من لا يحب هذا البلد مصر ويكره شعبها.
لقد عاني الشعب الطيب في مصر من دكتاتورية النظام السابق ومن الفساد والإستبداد وإنتهاك الحقوق، وعندما قامت الثورة استبشر الناس الخير بتحسن الأوضاع وأن تسير مصر الحبيبة في طريق الحرية والكرامة، ولكن فوجئ الناس بالثورة تكاد تضيع بسبب دكتاتورية جديدة تتمثل في تصرفات البعض الذين جعلوا من أنفسهم متحدثين رسمين بإسم الشعب ووجدنا مصر تنزف دماً وتتمزق من الفتن المتعددة وتعاني من المؤامرات الدنيئة التي دبرت الإحتجاجات والإعتصامات والعنف والفوضى والغياب الأمنى والإنفلات الأخلاقى.
أريد من خلال هذا المقال أن أطالب الجميع بالعودة إلي الضمير لأن المصريين الذين أذهلوا العالم يمكنهم أن يستمروا في إبهار العالم بنقلة حضارية لم ولن يشهدها التاريخ تنتقل بمصر إلى العالم الحديث، وهذا لن ولم يكن ليحدث إلا بالعمل المخلص والجاد والهادف والبناء لمواجهة مشاكل المواطنين واحتياجات العمل ولا يكون الأمر مجرد مشهد للصراعات حول السلطة والفوز بالغنيمة التي جاءت بها الثورة المجيدة في 25 يناير2011.

إرسال تعليق

يسعدنا قبول تعليقاتك

أحدث أقدم

نموذج الاتصال